فخر الدين الرازي

256

تفسير الرازي

المسألة الأولى : قال الفراء : لا فرق في اللغة بين أن يقال : يعودون لما قالوا ، وإلى ما قالوا وفيما قالوا ، أبو علي الفارسي : كلمة إلى واللام يتعاقبان ، كقوله : * ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) * ( الأعراف : 43 ) وقال : * ( فاهدوهم إلى صراط الجحيم ) * ( الصافات : 23 ) وقال تعالى : * ( وأوحى إلى نوح ) * ( هود : 36 ) وقال : * ( بأن ربك أوحى لها ) * ( الزلزلة : 5 ) . المسألة الثانية : لفظ * ( ما قالوا ) * في قوله : * ( ثم يعودون لما قالوا ) * فيه وجهان أحدهما : أنه لفظ الظهار ، والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ والثاني : أن يكون المراد بقوله : * ( لما قالوا ) * المقول فيه ، وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار ، تنزيلاً للقول منزلة المقول فيه ، ونظيره قوله تعالى : * ( ونرثه ما يقول ) * ( مريم : 80 ) أي ونرثه المقول ، وقال عليه السلام : " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " وإنما هو عائد في الموهوب ، ويقول الرجل : اللهم أنت رجاؤنا ، أي مرجونا ، وقال تعالى : * ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) * ( الحجر : 99 ) أي الموقن به ، وعلى هذا معنى قوله : * ( ثم يعودون لما قالوا ) * أي يعودون إلى الشيء الذي قالوا فيه ذلك القول ، ثم إذا فسرنا هذا اللفظ بالوجه الأول فنقول : قال أهل اللغة ، يجوز أن يقال : عاد لما فعل ، أي فعله مرة أخرى ، ويجوز أن يقال : عاد لما فعل ، أي نقض ما فعل ، وهذا كلام معقول ، لأن من فعل شيئاً ثم أراد أن يقال مثله ، فقد عاد إلى تلك الماهية لا محالة أيضاً ، وأيضاً من فعل شيئاً ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه ، لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه . المسألة الثالثة : ظهر مما قدمنا أن قوله : * ( ثم يعودون لما قالوا ) * يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة ، ويحتمل أن يكون المراد منه ، ثم يعودون إلى تكوين مثله مرة أخرى ، أما الاحتمال الأول فهو الذي ذهب إليه أكثر المجتهدين واختلفوا فيه على وجوه : الأول : وهو قول الشافعي أن معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زماناً يمكنه أن يطلقها فيه ، وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم ، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع منه من إيقاع التحريم ، ولا كفارة عليه ، فإذا سكت عن الطلاق ، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم ، فحينئذ تجب عليه الكفارة ، واحتج أبو بكر الرازي في " أحكام القرآن " على فساد هذا القول من وجهين : الأول : أنه تعالى قال : * ( ثم يعودون لما قالوا ) * وثم تقتضي التراخي ، وعلى هذا القول يكون المظاهر عائداً عقيب القول بلا تراخ ، وذلك خلاف مقتضى الآية الثاني : أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها ، فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة ، فلا يكون إمساك الزوجة نقضاً لقوله : أنت علي كظهر أمي ، فوجب أن لا يفسر العود بهذا الإمساك والجواب عن الأول : أن هذا أيضاً وارد على قول أبي حنيفة فإنه جعل تفسير العود استباحة الوطء ، فوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي ، مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك ، فثبت أن هذا الإشكال وارد عليه أيضاً ، ثم نقول : إنه ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه ، لا يحكم عليه بكونه عائداً ، فقد تأخر كونه عائداً عن